نوع: كتاب روائي

Jonas Lüscher
Kraft
[رواية "كرافت"]

رواية

خريف الانتهازيين

قبل أربع سنوات حقق الكاتب السويسري "يوناس لوشر" الذي درس الفلسفة والمقيم حاليا في ميونخ نجاحًا مفاجئًا بروايته الأولي "ربيع البربر". تناول "يوناس" في روايته الأولي موضوعات معاصرة مثل العولمة والأزمة الاقتصادية والربيع العربي بسريالية ورؤية ثاقبة وثقافة لغوية وأسلوب مسل في الوقت ذاته. لهذا ليس هناك ما يدعو للدهشة في أن روايته الثانية "كرافت" الصادرة في ربيع 2017 قد حظيت باهتمام كبير في الأوساط الأدبية الألمانية وصارت محور للنقاشات وحازت على إعجاب النقاد. مرة أخري ينجح الكاتب السويسري المولود عام 1976 في تحويل موضوع مثير للجدل سياسيًا إلي رواية مثيرة وساخرة ومسلية بلغة سهلة واضحة تشبه أسلوب "توماس مان".

"ريتشارد كرافت" الشخصية الرئيسية في الرواية مثقف ألماني في منتصف الخمسين يعمل أستاذًا للبلاغة بجامعة توبنجن" ويشغل كرسي أستاذية "ڤالتر يينس" ويعيش حياة مهنية ناجحة، إلا أنه تعيس في حياته الشخصية، لأن طموحاته الوظيفية لا تترك له متسعًا من الوقت ليطور من سماته الشخصية مثل الإحساس بمشاعر الآخرين ومهارات العلاقات الاجتماعية. ولأنه في حاجة ملحة إلى المال ليتحمل تكاليف طلاقه الثاني يشارك "كرافت" في مسابقة علمية بجامعة "ستانفورد" بكاليفورنيا جائزتها مليون دولار. ملياردير الانترنت "توبياس اركنر" الذي يريد تطوير "نماذج مجتمعية جديدة" على جزر عائمة في المحيط رصد مبلغ مليون دولار للإجابة على سؤال الثيوديسيا من منظور غطرسة وادي السليكون عن تحسين العالم والذات: "لماذا كل شيء على ما يرام وبالرغم من ذلك يمكن جعله أفضل؟"

كان "ريتشارد كرافت" متغطرس جدا ليشك في قدرته على إجابة السؤال، وذكي جدا ليدرك مخالفة السؤال للمنطق. وقع "كرافت" أسيرًا لهذا الانقسام وعاني من عدم القدرة على الكتابة ليستعرض حياته ومسيرته المهنية (إلى جانب قصصه الفاشلة مع النساء). انضم "كرافت" في سنوات الشباب إلى الليبراليين الجدد بسبب شخصيته الانتهازية ليبتعد عن الحركة الطلابية اليسارية ويستفيد من دعم المؤسسات ذات الصلة. يصف "لوشر" الوسط السياسي والمناخ العام في ألمانيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بدقة متناهية بالرغم من عدم معايشته لتلك الفترة. وعلى النقيض من ذلك يعرف الكاتب حرم جامعة "ستانفورد" جيدًا حيث قضي هناك تسعة أشهر كباحث ويعرف كذلك "وادي السليكون" ذو التقدم التكنولوجي الهائل. وكلاهما يمدا الكاتب بمادة خصبة للملاحظات الساخرة والتحليلات الدقيقة للواقع المعاصر التي يندر وجودها في الأدب المعاصر.

يجعل المؤلف رؤية البطل للعالم المغلفة بخيبة أمل وطمع في مكانة مرموقة تنهار تدريجيا: "كرافت" الذي خارت قواه تدريجيا، يتعين عليه الآن أن يعترف بأخطائه ويواجه إفلاسه الشخصي والفكري. لقد أصبح الفكر الليبرالي الحر الذي غازله "كرافت" من قبل ليتميز عن أقرانه، هو التيار السائد عالميا والنخبة الإنسانية في أوروبا التي ينتمي إليها لم تعد قادرة على مواجهة زحف الشمولية التكنولوجية. ينهار البطل عندما يدرك تلك الحقيقة المؤلمة بطريقة كوميدية. لقد نجح المؤلف في وضع نهاية ناجحة لواحدة من أقوي وأذكي الروايات الألمانية لهذا العام.
Kristina Maidt-Zinke

ل.... Kristina Maidt-Zinke, 01.03.2018

كريستينا مايد- زينكة ناقدة أدبية وموسيقية لجريدة "Süddeutsche Zeitung" ، كما أنها تكتب مقالات نقدية لجريدة "Die Zeit".

ترجمة Moataz Magawri