اللغة العربية؛ العربية > كتب > كتب روائية > ترتيب زمني > "المساعدة" > عرض للكتاب


  
 
 Image Martin Kluger

"المساعدة"
رواية



DuMont Literatur und Kunst Verlag
Köln 2006
الرقم الدولي 3-8321-7845-7
318 صفحات




 

لا بد أنها كانت أوقاتا صاخبة جدا، تلك التي عاشتها برلين في خضم فترة الانتعاش الاقتصادي الكبير الذي عرفته ألمانيا بعد تأسيسها عام 1871 بفترة وجيزة، وعُرفت بعصر المؤسسين. عاش المجتمع نهضة لم يشهد لها مثيلا من قبل، طوفان اقتصادي وعلمي، يمكن للمرء أن يغرق فيه تماما. في قسم طب النساء بمستشفى برلين الخيري الذي كان يعد في تلك الآونة مستشفى تعليمي ذا شهرة عالمية، ويعمل به علماء أجلاء مثل رودولف فيرشو وإميل فون بيرينغ وباول إيرلش ورودلف كوخ، في هذه المستشفى تولد طفلة هي هنريتا مالو، وتموت أمها أثناء ولادتها. أبوها باول، وهو نجار، يفقد ورشته بعد وفاة الأم ويعمل ممرضا في المستشفى مع استمرار إفراطه في شرب الخمر. ويتمكن باول من تمرير ابنته لتدخل إلى عالم المستشفى بتفاصيله، ما بين أنابيب الاختبار وطاولات التشريح تترعرع فتاة متعطشة للعلم ويتطور لديها فضول ونهم بحثي لا حدود لهما.

وربما لا يكاد يكون هناك وسط أروع من ذاك الوسط الذي اختاره الكاتب البرليني مارتين كلوغر (من مواليد 1948) للبطلة المتخيلة في روايته "المساعدة"، فمستشفى برلين الخيري كان في عصر الانتعاش الاقتصادي ذاك مركز الطب في العالم. فيرشو أستاذ كرسي علم الأمراض، ورودولف كوخ عالم البكتريا الذي حاول إثبات أن الجراثيم هي السبب وراء تفشي الأوبئة المعدية، كلاهما كان يحارب الآخر. في المستشفى كان يتم تشريح جثث بطرق غير مشروعة ليلا، والفتاة الصغيرة شاركت كمساعدة موهوبة عندما تم اكتشاف البكتريا العصوية المسببة لمرض السل عام 1882.

في روايته يعرض كلوغر لبرلين في عهد القيصر فيلهلم ولكنه يبرز بالأخص أفنيتها الخلفية بمطابخها العفنة ذات الروائح المقززة لبيئات ينهش فيها مرض السل: "السماء تبدو وكأنها تحولت إلى سرير وردي تقلب فيه كثير من عمال المياومة القذرين. بائعو الجرائد يلوحون بصحفهم المبللة نصب أعيننا. من الباب المفتوح للمقهى تصدر ضحكة من امرأة ذات صوت خفيض. حيوانات الخلد وذبابات مايو وحشرات العث الميتة تعود إلى البيت مسخمة بالسواد من الوردية، ومن الثقب المفتوح في الوجه يسيل اللعاب، وتتعثر في طريقها في أقرب معمل للخمور المقطرة. ينغلق الباب وينفتح، ثم ينغلق ثانية."

وتثبت هنريتا أنها إلى جانب ذكائها طموحة أيضا، لكنها تصطدم بالحواجز الاجتماعية التي تحول بينها وبين طموحها. إنها ترغب في دراسة الطب وأن تبحث بنفسها لكن المجتمع لا يسمح لها بذلك. تذهب هنريتا إلى إحدى المؤتمرات الطبية الكبرى مرتدية ملابس الرجال لتكون بين الحاضرين، وتقرر أن تدخل الجامعة أيضا بهذا الزي التنكري. يتتبع كلوغر في روايته نجاحات وكبوات هذه المحاولات من أجل أن الحصول على مكان في المجتمع، يتواءم بالأحرى مع ميول وقدرات المرأة الشابة، بغض النظر عن جنسها. يتتبع القارئ البطلة هنريتا مشدودا ولاهثا وراءها في دهاليز المستشفى، وفوق طاولة التشريح وفي غرفة الرعب المليئة بالعينات التشريحية والبيولوجية من هياكل عظمية وأجنة محفوظة إلخ، ويتتبع هروبها وتسللها إلى المعمل. لكن خدعة هنريتا تنكشف في النهاية، لقد كانت سابقة لعصرها، ولذا فهي تفشل في مجالها الوظيفي كما يفشل زواجها الذي كان مبنيا فقط على أساس صعودها الاجتماعي.

استطاع كلوغر أن يرسم بخطوط واضحة بورتريها لنموذج تاريخي للمرأة الرائدة في مجال البحث العلمي التي تعلي من شأن الفضول العلمي والفكر التقدمي، لكنها تتمسك في الوقت ذاته بالتصورات الراسخة لذاك العصر حول توزيع الأدوار في المجتمع. من البداية تبدو رواية كلوغر على أنها بردائها التاريخي رواية نقد اجتماعي، ويذكِّر عرضه لمغامرة بطلته أحيانا بالروايات الاجتماعية ذات الرؤية الشاملة مثل روايات ديكنز وزولا وبلزاك. لكن الأمر ليس باليسير مع النموذج الأنثوي لديفيد كوبرفيلد والذي يفشل في تخطي الحواجز الطبقية للمجتمع الفيلهلميني وتصوره لتقسيم الأدوار بين الجنسين. على صعيد التقنية الروائية يعد كلوغر كاتبا متميزا، وقد سبق وكشف لنا عن تميزه في هذا الجانب على مدى ألف صفحة في عمله الضخم "حيوانات غائبة".

إنه لا يقدم مهرجانا للأزياء التاريخية، بل يتلاعب بحيل تغيير منظور القص والتداخل الزمني وكذلك بالفانتازيا، أحيانا يدخلنا إلى اللحظة التي تعيشها الشخصية وأحيانا ينسحب ليروي من الخارج. وبوصفه كاتب سيناريو محنك، فهو قادر على صنع حركة سريعة داخل الرواية. وهكذا تتحول رواية كلوغر الناجحة إلى ميكروسكوب،يكتسب تحته زحام الشخصيات فجأة ملامح متمايزة، من أنماط اجتماعية وبيئات لغوية وعادات وتصورات عن الجسد- عالم بأسره يصبح مرئيا، عالم قد زال، لكن يمكننا التعرف على أنفسنا فيه حتى اليوم عبر حمى التقدم التي كانت تحركه. "كائنات لم ترها عين من قبل، بذيول وبدون ذيول، بثلاث أياد، بمئة يد، كائنات بعيون كثيرة أو بعين واحدة، وتلك التي هي عبارة عن مجرد عين لا أكثر، تتحرك متزاحمة وملاصقة لبعضها تدخل بعضها بعضا، تفر من بعضها البعض، تدهس وتقضم بعضها، كانت حية وكانت خبيثة وتتكاثر بسرعة بالغة، كانت قبيحة وكانت جميلة."

أوليبفر يان
سبتمبر 2006
[ ترجمة أحمد فاروق ]



 

© 2012 Litrix